المنارة والرباط
العلامة الحافظ المحدث الشيخ محمد يحي الولاتي


 

 

 

بقلم : الهادي بن محمد المختار النحوي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

مولده ونشأته
 هو محمد يحي بن محمد المختار ,ولد رحمه الله سنة 1259هـ في مدينة ولاته في الجهة الشرقية من موريتانيا,
نشأ في بيت علم وكان رحمه الله تعالى جادا مجتهدا في طلب العلم وبدت عليه علامات علو الهمة والحرص على عدم تضييع الوقت , وروي عنه قوله ان ضوء النهار أعز من أن يضيع في غير المطالعة. واستكمل العلوم على المشايخ في بلده واعترف له بعضهم بانه يفيدهم , وهو طالب يأخذ العلم عنهم, لذكائه واجتهاده.

رحلته الى الحج
توجه الشيخ إلى البلاد المقدسة سنة 1311هـ. وكانت رحلته هذه رحلة علم ومناظرات مر خلالها في ذهابه وإيابه بالمغرب وتونس ومصر.
توقف الشيخ أولا في الرباط والتقى بسلطانها الذي أكرمه وأحسن وفادته, وأثناء إقامته في المغرب أخذ عنه بعض العلماء علم البيان من تلخيص القزويني وبعض علم أصول الفقه كما درسوا عليه تأليفا له يسميه : منبع الحق والتقى الهادي إلى سنة النبي المنتقى و غيره من مؤلفاته الأخرى.


في المدينة المنورة
لما وصل الشيخ الى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج , جلس في حلقة التدريس في المدينة المنورة و درس فيها موطأ الإمام مالك وعقود الجمان للسيوطي في علم البيان , وورقات إمام الحرمين رحمهم الله جميعا.
في الأسكندرية
مر الشيخ خلال رحلته بالاسكندرية و ناقش بعض علمائها في مختلف الفنون وأخذ عنه بعض أولئك العلماء , ومن بينهم العالم حسن شحاته الذي أجازه إجازة شاملة ,
( توجد نسخة من الإجازة في أعلام الزركلي ج. السابع ص 142), وهي اجازة تستحق القراءة لغرابتها وطرافتها.
في تونس
التقى الشيخ في تونس بكثير من العلماء الذين درسوا عليه علوم الحديث وأجاز عددا منهم .
وقد أنشا القطعة التالية في مدح صاحب الزاوية الشيخ إبراهيم الرياحي
ومدح الشيخ سيدي أحمد التجاني:
قــــد ظفرنا بمقصد ونجاح * إذ نزلنا فناء بيت الريــــــاح
بحر جود  تعود  الغـرف منه*من أتى في الصباح أو في الرواح
كيف لا وهو  وارد بحر عـلــم*موجه فائض بــــــــروح وراح
يقذف الدر و اليواقيت عفـــوا*دون ما غوص غائــص وسباح
يرتوي من زلاله  كل ظــــــام*ميت قلبه بجـــــــهل صراح
تنجلي عنه ظلمة الجهل حتى*يبصر الحق واضحا كالصباح
هو مولاي  أحمد  الختم حاوي* إرث خير الورى وختم الفلاح
ورث الختم والوساطة حقــــــا*من نبي الهدى بحال كفــاح
نوره ساطع بغير حجــــــــاب*مشرق في عـــــــوالم الأرواح
منهج الشيخ منهج  مستقيـــــم* أحمدي محمدي السمـــــاح
منهج طيب تراه مشيــــــــــدا* بكتاب وسنة وصـــــــــلاح
ورده رحمة وأمن ويمــــــــــن* ونجاة وعصمة بالنجـــــاح
قد بدت للورى جواهر معنـــى*من هداه وعضددت  بالرماح
                         * * * * * * * *
تربيع المؤلف سينية إبراهيم الرياحي في مدح الشيخ أحمد التيجاني
ويقول رحمه الله ايضا عن بعض اعماله في تونس :
ومما أنشأنا بتونس ـ عمرها الله بالإسلام ـ تربيع قصيدة الفقيه العالم العارف سيدي إبراهيم الرياحي التي مدح بها شيخنا وسيدنا ومولانا العارف بالله سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنا به , وها هي ذي بتربيعها , الشطران الأولان منها لنا والأخيران لسيدي إبراهيم .        
أقول للخل يبغي الفوز بالآســـــــي*والأمن من شر وسواس وخنــــــاس
صاح اركب العزم لا تخلد إلى اليأس*واصحب أخا الحزم ذا جد إلى فاس
وحط حمل الرجا فورا بساحتهـــــا*وبث شكواي من نفسي وسيرتهــــا
واشرح متون صبابتي لجيرتهـــــــا*وحي حيا بهم قد كان إينـــــــاس
                                   ** * * * *
بدر الهدى من بدين الله معتبــــر* ومن له ختم الأولياء مستـــطر
ذاك  الذي نال ما لم يحوه بشــر* بعد الصحابة من جن ولا ناس
جم المزايا كريم النفس وارث مــن* كانت نبوءته قبل البرى بزمن
غوث البرايا أبو العباس أحمد من *معناه أعظم أن يجلى بقرطاس
بحر العلوم وروح الروح مبـــــرزه* راح المعارف سر الفيض  مكنزه
روح الوجود وقطب الكون  مركزه* ممده سره الساري إلى النــــاس
مغنى الفيوض وتاج العز معلمـــه*عين الختام وفرع الختم موسمه
                                   * * * * *
طليعة الحق مأوى النور مطلعــه*ناموسه بحره الطامي  ومنبعـــــه
حقيقة الكون معنى السر مجمعه* فيض الإله بلا لبس  ولا بـــــاس
هو الوساطة بين السالكين ومــن* هو الوساطة فيما قد  بدا و كمــن
أعني التجاني تاج العارفين ومن *بسابق الفضل من  عرفانه كـــاس
طريقه حلتي درعي وزمرتـــــــه*قومي و مستمسكي في الدين عروته
                                   * * * * *
رد ورده العذب واستنشق روائحه*تظفر بأعطار ذاك الــــورد و الآس
واشدد يديك على تعظيم جانبــه *إذا ظفرت به ونبذ عائبــــــــــــه
واستعمل الجد في تحصيل واجبه* إن لم تكن في بساط القرب ذا  يأس
والجأ إليه ولو قد كنت ذا مـــلإ *و ادخل حماه بلا جاه ولا لجـــــإ
واهرع إليه إذا ما كنت ذا ظمـــإ *و اسرع إلى الله مشاء على الـــرأس
و ابشر فزرعك قد أزهت يوانعــه* ويمن سعدك قد بانت مطالعــــــه
                                   * * * * *
وصل رب على خير الورى  سلفا *وخيرهم حسبا وخيرهم خلقـــــــا
وآله الغر من حازوا به شرفــــــا *ما فاز مقتبس منه بمقبــــــــاس         
                                     

في وطنه
و في بلاد شنقيط أخذ عنه عدد من علماء تشيت من أبرزهم محمد أحمد الصغير التيشيتي ومحمد بن انبال
ومن ولاتة أخذ عنه عدد آخر من العلماء من أبرزهم المرواني بن حماد.

مؤلفاته
توجه الشيخ رحمه الله في سن مبكرة الى التأليف:
- نظم معاني الحروف من مغني اللبيب و عمره لم يتجاوز السابعة عشر
- وشرح ألفية السيوطي في علم البيان و عمره في حدود 18
- وشرح مراقي السعود في الأصول , لسيدي عبد الله بن الحاج ابراهيم , وهو ابن 25 سنة,
- الرحلة الحجازية وقد ضمنها كل الأجوبة والمسائل التي طرحت عليه أثناء رحلته العلمية الى الحج التي استمرت سبع سنوات .
وله مؤلفات كثيرة في فنون أخرى منها:
- نور الحق الصبيح في شرح الجامع الصحيح (4 أجزاء)
- اختصار موطأ الإمام مالك
- شرح اختصار ابن أبي جمرة
- تأليف في مصطلح الحديث
- الأجوبة المهمة عن الوقائع الملمة - فقه
- منبع العلم والتقى وشرحه في فروع الفقه و أدلتها من الكتاب والسنة
- اختصار كتاب البزدوي – اصول
- اختصار الموافقات للشاطبي
- وغير ذلك من المصنفات في الفقه والأصول واللغة ....
وقد بلغت مصنفاته حوالى المائة.

عبادته وقوته في الحق
كان الشيخ عابدا مداوما على تلاوة القرآن , لاينام من الليل إلا قليلا,
وكان قوالا للحق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . ولما ولي القضاء اشترط على الذين ولوه أن ينفذوا كل الأحكام التي يحكم بها ولو كان الحكم قتلا وقد كان له ذلك.
وفاته
توفي رحمه الله بمدينة ولاته سنة 1330هـ
رثاه بعض علماء تونس عندما علموا بوفاته , مثل محمد السنوسي الذي يقول في مرثيته له:
مضى خلف الأبرار والسيد الحبر ** فصدر العلى من قبله بعده صفر
هو البحر عند الدرس تطغى علومه ** عليه وفي المحراب يعرفه الذكر
هو العالم النحرير شمس زمانه ** هو العابد الأواب و الشفع والوتر
رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته فقد مثل شنقيط أحسن تمثيل ونشر العلم حيثما توجه , كان شديد الحرص على وقته فاستثمره افضل استثمار و خلف للأمة مجدا تعتز به, وكتب لنفسه عمرا طويلا من الذكر الحسن والثناء والدعاء.

المراجع :
- محمد يحي الولاتي , الرحلة الحجازية
- فتح الودود على مراقي السعود تأليف صاحب الترجمة , راجعه حفيده بابا محمد عبد الله المدرس في جامعة الملك سعود
- الخليل النحوي , بلاد شنقيط المنارة والرباط
- محمد الحافظ بن المجتبى : الحديث الشريف علومه وعلماؤه في بلاد شنقيط
-- الأعلام للزركلي
كما ترجم له في شجرة النور الزكية


رابط المقال :
/article.php?id=121

جميع الردود التي يكتبها أصحابها في الموقع تعبّر عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع وإدارته .
عودة للمقال