المنارة والرباط
التحليل الاقتصادي لتطبيق التورق في المصرفية الإسلامية


الدكتور عبد الباري مشعل

1. قد يكون التصرف مباحًا شرعًا إلا أنه يؤول إلى ممنوع فيمنع، ويزداد الأمر وضوحًا على مستوى التطبيق المصرفي. فالتمويل بالمشاركة مثلاً يبدو نموذجاً جذابًا من الناحية الشكلية، إلا أنه من الناحية الموضوعية قد يؤدي إلى ضياع أموال المساهمين في بيئة غير ملائمة من حيث الكفاءة في الإدارة والشفافية والمعلومات. وقد أدت هذه المخاطر إلى الحد منه في التطبيق فضلاً عن المتطلبات الإشرافية بصفة عامة ساعدت على تضييق تطبيقه.

2. وبالمثل ينظر إلى التورق؛ فإن إباحته، لا تعني بالضرورة صلاحيته من الناحية الاقتصادية سواء طبق بشكل فردي أو بشكل مصرفي منظم، ويمكن اختصار الآثار الاقتصادية لتطبيق التورق مصرفيًا في أمرين هامين: الأول: الأثر على نموذج المصرف الإسلامي وتنوع الصيغ المطبقة، والثاني: الأثر على الفروق الجوهرية بين التمويل الإسلامي والتقليدي.

3. أما الأثر الأول، فهو من فرعين: الفرع الأول: يرى الاقتصاديون بأن التورق الفردي العادي يؤول عند التطبيق إلى منظم بشكل تلقائي، حيث يؤدي التطبيق إلى نشوء تواطؤ بين طبقتين من التجار أحدهما تبيع للبنك، والثانية تشتري من عميل البنك بغرض تسييل السلعة، وهي الصورة التي يطبق وفقًا لها التورق المصرفي المنظم.

4. الفرع الثاني: إن تطبيق التورق يؤدي إلى توفير السيولة أو النقد، كما هو الحال في المصارف التقليدية، وبالنقد تتم تلبية كل أنواع الاحتياجات التمويلية، ولن نكون بحاجة إلى المشاركة أو السلم أو الاستصناع أو الإجارة التي يلائم كل منها احتياجا تمويليا. فالتورق يؤدي إلى القضاء على التنوع في الصيغ التمويلية الإسلامية، والتفرد كصيغة وحيدة للتمويل الإسلامي كما هو الحال في تفرد القرض الربوي كصيغة تمويل وحيدة على مستوى البنك التقليدي.

5. إن الأثر الأول لا يبدو تجنيًا على البنوك الإسلامية، وإنما هو واقع أغلب التطبيقات، حتى إن بعض العاملين قد عبر عن ذلك بقوله: إن التورق هو الرئة التي تتنفس من خلالها البنوك الإسلامية، مما يعني أن منع التورق يؤدي إلى خنق ومن ثم موت البنوك الإسلامية. فالتورق أصبح مسيطرًا على الصيغ التمويلية وعلى صيغ إدارة السيولة.

6. الأثر الثاني: الفروق الجوهرية بين التمويل الإسلامي والتقليدي تتركز في أن آلية التمويل الإسلامي تؤدي إلى خلق الإنتاج عند كل عملية تمويل خلافًا للتمويل التقليدي الذي يمكن أن ينشأ دون أن يؤدي بذاته إلى تحريك الإنتاج بالمطلق، أو على الأقل قد يؤدي إلى تحريكه في اتجاهات غير مخطط لها.

7. إذا أصبح التورق هو الوسيلة التمويلية المسيطرة فإن واقعة التمويل المصرفي الإسلامي تصبح مشابهة لواقعة التمويل المصرفي التقليدي، بحيث إن الغرض الأساسي من عملية التمويل تتم تلبيته بالسيولة المتحصل عليها في النهاية، وليس بواقعة التمويل نفسها؛ بل إن واقعة التمويل الإسلامي ستستند إلى سلعة غير مقصودة أساسًا في العملية التمويلية إلا من أجل الأسلمة الشكلية للمعاملة.

8. إن التقارب بين التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي يلغي الفرق الجوهري بين التمويلين، ومن ثم فإن شرعية المعاملة باستيفاء الضوابط الشرعية للحيازة والقبض، قد لا تحدث الفرق الجوهري من الناحية العملية، لأن القبض قد حدث على سلعة أريد لها أن تمارس دور المحلل، وليس تلبية الغرض من التمويل نفسه.

9. هذا خلاف جوهري بين الفقهاء والاقتصاديين، فقد يرتضي الفقهاء المعاملة إذا حققت البناء الشكلي لمشروعيتها، بينما ينظر الاقتصاديون إلى الأثر العملي لهذه المعاملة على الغرض من وجودها أساساً في نموذج مؤسسي تمويلي، وأثر هذا النموذج بالكامل على تطبيق آليات التمويل الإسلامية الأخرى. ومن المفترض أن يستدعي الأثر الاقتصادي الفقهاء لإعادة النظر في شرعية المعاملة بنظرة مقاصدية أعمق وأبعد من التراتيب الشكلية للمعاملة.
د.عبدالباري مشعل
8/4/2015

صحيفة السبيل الأردنية 1. قد يكون التصرف مباحًا شرعًا إلا أنه يؤول إلى ممنوع فيمنع، ويزداد الأمر وضوحًا على مستوى التطبيق المصرفي. فالتمويل بالمشاركة مثلاً يبدو نموذجاً جذابًا من الناحية الشكلية، إلا أنه من الناحية الموضوعية قد يؤدي إلى ضياع أموال المساهمين في بيئة غير ملائمة من حيث الكفاءة في الإدار…
RAQABA.CO.UK


رابط المقال :
/article.php?id=2016

جميع الردود التي يكتبها أصحابها في الموقع تعبّر عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع وإدارته .
عودة للمقال