|
قراءة في محركات مشهدنا الديني
د. زيد بن علي الفضيل
المتأمل للساحة الدينية في مشهدنا المحلي خلال هذه الفترة سيدرك حجم المخاض الفكري الكبير الذي تعيشه الساحة بالشكل الذي لم يحدث مثيله من قبل ، فبعد أن كان المشهد مغلقا على رأي واحد لا يقبل النقض إلا في حدود ضيقة ، وضمن أجواء مغلقة ، نتيجة لإغلاق باب الحوار والنقاش العلمي ، أصبحنا اليوم نرى ونسمع العديد من الآراء الفقهية المتنوعة ، التي تستند في مدلولها على كثير من الحجج والبراهين والأدلة المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة والاجتهادات المتنوعة لعلماء السلف بوجه عام ، وكان من جراء ذلك بروز العديد من الفتاوى التجديدية الصادمة لفصيل من العلماء وبعض أفراد المجتمع ، بالشكل الذي أدى إلى بروز عديد من الألفاظ الحادة والدعوات المتشنجة إزاء أصحاب تلك الآراء التجديدية من قبل معارضيهم ، كالدعوة إلى الحجر عليهم مثلا ، والسؤال الذي نحتاج إلى التفكر فيه مليا هو : لماذا كل هذه الحدة والتشنج في القول والفعل إزاء رأي فقهي مستند إلى دليل ديني ، وفي مسائل متنوعة تندرج في باب المسائل الاجتهادية المختلف فيها منذ أزمان سابقة ، وتدخل في حكم القاعدة الأصولية الرئيسية التي تنص على عدم الإنكار في مسائل الاجتهاد ؟. في تصوري أن الأمر أكبر من موضوع فقهي يمكن أن نتفق حوله أو نختلف معه ، إذ لو كان الأمر مقتصرا على ذلك ، لما عشنا هذه الحدة في الرأي والقنوط بالقول الآخر ، ليس في المرحلة الآنية وحسب ، وإنما في مختلف المراحل السالفة ، ولكان التعامل مع كثير من الآراء الفقهية والاجتهادات العلمية بشيء من المنهجية التي قررها علماء الأصول في مدوناتهم . إنها إشكالية ذهنية قبل أن تكون فقهية ، شكَّل ملامحها أطر بيئية وقواعد اجتماعية وشعور مبالغ فيه بالخوف والخشية ، أفرزت لنا تلك الحالة من الريبة والشك التي وضح تأثيرها في استخدام باب سد الذرائع بشكل مبالغ فيه ، حتى فرض على بعض فقهائنا المعاصرين التحذير من مخاطر التوسع في ذلك في عديد من أحاديثهم الدينية المتنوعة . من هذه الزاوية يمكنني تفهم بعض الردود الحادة المتشنجة التي صدرت عن عدد من مشائخنا الكرام ، ومنه أيضا يمكنني تبرير بعض الآراء الغريبة التي كان آخرها ما نشرته الزميلة جريدة الحياة مؤخرا على لسان الشيخ عبد الرحمن البراك من نصيحته للنساء في محضر إجابته على سؤال : هل يجوز أن تظهر المرأة شعرها ووجهها ورقبتها للنساء ؟ فكان جوابه بقوله :"ينبغي ألا يكون هذا إلا في الجلسات المختصرة عند أخواتها وعند قريباتها ، أما في المحافل وفي المدارس فأرى أن هذا من مداخل الشيطان" ويضيف فضيلته "ولولا أن النظام فرض في المدارس أن يلبسن ثيابا طويلة لتهتكن وللبسن القصير إلى الركب كما يُفعل في الأعراس" وأضاف " ولهذا أنصح الأخوات الصالحات أن يقاومن هذه العادة ، ويخرجن عليها بالمخالفة ، ويُعودن أنفسهن لبس الخمار على رؤوسهن حتى في مجامع الأعراس والمحافل وفي المدارس". هكذا يتضح لنا مدى تأثير البعد البيئي والقواعد الاجتماعية الخاصة في مثل هذه النصيحة ، لكون فضيلته على يقين قطعي بجواز إظهار ذلك فقهيا ، والجديد في الأمر أن هذه النظرة الخاصة كانت إلى مرحلة زمنية سابقة تمثل دينا يجب الأخذ به ، وهو ما عانى منه أطياف المجتمع سابقا ، وجاء المخاض الفكري ليخلصنا منه حاليا . بقى التذكير في هذه الحالة بقول الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه : ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه .
|