محمود المختار الشنقيطي
نصف كعكة في قطار ... وعشاء على الطريق مع عائلة
لا علاقة للطعام بالأمر وإن كان مشاركا في الحالتين،ولكن الحادثتين ليستا أكثر من رمز لعله خلب لب محمد أسد القادم من غرب مثخن بجراح الحرب العالمية الأولى،غرب يخلع نقاءه الأخلاقي،ويرمي بالحميمية ودفء العلاقات الإنسانية وراء ظهره. في القطار إلى القدس ينقل لنا (أسد) هذا المشهد :
(ووقفنا مرات عديدة في محطات صغيرة لم تكن عادة اكبر من ثكنات من خشب وصفائح.وكان الأولاد السمر،وعلى أجسامهم خرق بالية،يركضون هنا وهناك يحملون السلال ويعرضون على المسافرين التين والبيض المسلوق وأرغفة الخبز العربي الطازج.ونهض البدوي الذي كان جالسا قبالتي ببطء،وحل كوفيته ثم فتح الشباك،فإذا به دقيق الوجه اسمر اللون،واحد من تلك الوجوه الصقرية التي تتطلع دائما إلى الأمام بعمد وتصميم.لقد ابتاع قطعة من الكعك ثم استدار،وكان على وشك الجلوس عندما وقعت عيناه عليّ،ودون أن ينطق بكلمة،قسم كعكته إلى نصفين وقدم إليّ إحداهما. وعندما رأى ترددي ودهشتي،ابتسم ورأيت أن الابتسامة اللطيفة كانت تلائم وجهه كذلك التصميم الذي بدا عليه منذ لحظة – وقال كلمة لم افهمها عندئذ ولكنني اعرفها الآن : تفضل. وأخذت قطعة الكعك وشكرته بإيماءة من رأسي.){ص 116}.
و هو في طريقه إلى دمشق ... على قدميه :
(وبعد الظهر أشرفت على مرج ابن عامر إلى اليمين ثم مررت بالناصرة. وقبل مغيب الشمس وصلت إلى قرية عربية تظللها أشجار الكافور والسرو. وعند البيت الأول يجلس ثلاثة أو أربعة من الرجال والنساء.توقفت عن المسير،وسألت القوم ما إذا كانت تلك قرية (الرينة).ولما أجابوني بالإيجاب،كنت على وشك أن أستأنف سيري،إلا أن المرأة نادتني قائلة :
- "يا سيدي،ألا تريح نفسك قليلا؟" ثم قدمت إلي إناء من الماء البارد،وكأنما تكهنت بما كنت أعانيه من العطش.وبعد أن ارتويت،سألني واحد من الرجال،وكان واضحا أنه زوج المرأة :
- "ألا تحب أن تشاركنا طعامنا وتقضي ليلتك في بيتنا؟"
إنهم لم يسألوني من أنا ولا إلى أين كنت أقصد،وما كانت غايتي. (..)إنهم متحررون من الشك والريبة في أنفسهم إلى درجة تجعل من اليسير عليهم أن يفتحوا قلوبهم إلى أيما إنسان آخر. إنهم ليسوا بحاجة إلى أيما قدر من الجدران الكاذب {هكذا} تلك الجدران التي يقيمها كل شخص في أوربا بينه وبين جاره.(..) وتعشينا معا رجالا ونساء،جالسين القرفصاء على حصيرة (..) وعندما رقدنا لننام – وكنا نحوا من دزينة من الأشخاص في غرفة واحدة – أخذت أحدق في الدعائم الخشبية){ص 152 – 153 }.
ليوبولد فليس ... الــ(الولد)
ملمح واضح ذكره محمد أسد،وهو يشي بالنضج العقلي المبكر،وهو استغراب أحد التجار في القاهرة،من أن (أسد) هو الذي كتب تلك المقالات المنشورة تحت اسمه!! وحصل الشيء نفسه في الصحيفة التي كان يعمل مراسلا لها،وذلك في أول لقاء له مع رئيس التحرير :
(وعندما دخلت عليه،نظر إليّ لحظة وقد استحوذ عليه الدهش {هكذا}فمنعه من الكلام وأنساه أن ينهض عن كرسيه. ولكنه سرعان ما استعاد سكينته فنهض وصافحني قائلا :
-"اجلس،اجلس.لقد توقعت قدومك."ولكنه ظل ينظر إليّ صامتا حتى أنني بدأت اشعر بالقلق.
-"هل في الأمر خطأ،يا دكتور سيمون؟"
-"لا،لا،لا،لا شيء خطأ – أو بالأحرى،كل ما في الأمر خطأ."
ثم ضحك وأردف قائلا : "لقد كنت،بطريقة ما،أتوقع أن ألقى رجلا متوسط العمر على عينيه نظارتان ذهبيتا الإطار- وأنا أجد أمامي ولدا .. آه استميحك عفوا.مهما يكن من أمر،كم تبلغ من العمر؟"
وذكرت{هكذا} فجأة ذلك التاجر الهولندي المرح،في القاهرة،الذي وجه إليّ السؤال نفسه قبل سنة،وانفجرت ضاحكا :
-"إنني فوق الثالثة والعشرين يا سيدي،سأبلغ الرابعة والعشرين عما قريب."){ص 175 – 176 }.
الغرب من الفصل بين (الروح) و (الجسد) .. إلى عبادة (الدجال)
من الواضح أن الفصل بين الروح والجسد لم يرق لمحمد أسد، كما لم ترق له "العنصرية"في اليهودية -التي كان ينتمي إليها في الأصل – فنجده يقول، مخاطبا الأب "فالكس"،وهما في طريقهما إلى الشرق :
(.. ولكنني أشعر،وهذا شعور كثير من الناس الذين هم من جيلي،أشعر أن هناك خطأ ما في التمييز بين "الجوهر" و "العرض" في تركيب الإنسان،وفي التفريق بين الروح والجسد باختصار،إنني لا أستطيع أن أقر أن الدافع الجسماني والجسد والمصير الدنيوي خالية من إصلاح.إن رغبتي تسير في اتجاه مخالف : إنني أحلم بشكل من الحياة – ولو أنني يجب أن أعترف بأنني لا أراه بوضوح إلى الآن – فيه يسعى الإنسان كله – روحا وجسدا – ويجاهد في سبيل تحقيق ذاتي أعمق – شكل لا تكون فيه الروح والمشاعر عدوين كل منهما للآخر){ص 110}.
يصور لنا (أسد) في هذه السطور الحالة التي وصل إليها الغرب،في ثلاثينيات القرن العشرين :
(لقد كانت سنوات غريبة تلك التي ألفت العقد الثالث من هذا القرن في أوربا الوسطى. لقد ساد جو عام من الخطر الاجتماعي والأدبي،وأدى إلى نشوء أمل يائس عبر عن نفسه بتجارب جريئة في الموسيقى والتصوير والمسرح وبالتلمس أيضا،وبالأسئلة والتحقيقات الثورية عن طبيعة الثقافة وتكوينها. ولكن فراغا روحيا كان يصاحب هذا التفاؤل القسري : نسبية غامضة تهكمية نشأت من اليأس المتعاظم من مستقبل الإنسان.
وبالرغم من حداثتي فإنه لم يبق خافيا عليّ أن الوضع بعد كارثة الحرب العالمية لم يعد صحيحا في العالم الأوربي المتفكك المتململ،المتوتر العواطف والأحاسيس.إنه إله ذلك العالم لم يعد،كما رأيت،من نوع روحي : كان الرخاء. ليس ثمة شك في أنه كان هناك أفراد كثيرون كانوا يشعرون ويفكرون،دينيا،ويبذلون جهودا يائسة إلى أبعد الحدود للتوفيق بين معتقداتهم الأخلاقية وبين روح مدنيتهم،ولكن هؤلاء لم يكونوا إلا قلة. لقد بدا أن الأوربي – سواء كان ديمقراطيا أو شيوعيا أو عاملا يدويا أو رجل فكر – كان يعرف دينا إيجابيا واحدا : عبادة التقدم المادي،الاعتقاد بأنه لا يمكن أن يكون في الحياة أيما هدف سوى جعل تلك الحياة نفسها أكثر سهولة ويسرا،أو كما كانوا يقولون في ذلك الحين : "مستقلة عن الطبيعة".وكانت معابد ذلك الدين المصانع الجبارة ودور العرض السينمائية،والمختبرات الكيمائية،وقاعات الرقص والمشاريع المائية والكهربائية،وكان كهانها الصرافين والمهندسين والسياسيين ونجوم السينما،والإحصائيين و وزعماء الصناعة،والطيارين و"مفوضي الشعب".وكانت الخيبة الروحية متجلية في الفقدان الشامل للاتفاق على معنى الخير والشر،وفي إخضاع الأحداث الاجتماعية والاقتصادية جميعا إلى قاعدة"المصلحة" – تلك المرأة الداعرة،الراغبة في أي إنسان،وفي أي وقت،كلما دعيت إلى الاستسلام .. ){ص 101 - 102}.
كان الغرب،الذي كانت تلك حاله،لابد أن يدفع بـ(أسد) للتفكير في بديل،يشبع الروح والجسد :
(ومع الزمن أصبح أهم شيء بالنسبة لي،أن أفهم روح ألئك المسلمين : لأن دينهم استمالني (ذلك أنني لم أكن أعرف عنه في ذلك الحين إلا اقل القليل)،بل لأنني وجدت فيهم الالتئام العضوي بين العقل والإحساس،ذلك الالتئام الذي كنا،نحن الأوربيين،قد فقدناه.أفلا نستطيع عن طريق تفهم حياة العرب تفهما أفضل،أن نكتشف الصلة الخفية بين ما يكابده الغرب من انعدام الوحدة الذاتية،وبين جذور هذه المكابدة وأسبابها؟ أن نجد ذلك الشيء الذي جعلنا نحن الغربيين نهرب من حرية الحياة المقدسة التي يبدو أن العرب يملكونها،حتى في انحطاطهم وانحلالهم الاجتماعي والسياسي){ص 136}.
لا ينسى (أسد) أن يحذر من (تغضن) روح المسلمين،بسبب احتكاكهم بالغرب :
(إن عالمي الإسلام والغرب لم يكونا يوما اقرب،احدهما للآخر،كما هما اليوم.وهذا القرب هو صراع ظاهر وخفي،ذلك أن أرواح الكثيرين من المسلمين والمسلمات لتتغضن رويدا رويدا تحت تأثير العوامل الثقافية الغربية.إنهم يتركون أنفسهم يبتعدون عن اعتقادهم السابق بان تحسين مقاييس المعيشة يجب أن لا يكون سوى واسطة لتحسين أحاسيس الإنسان الروحية. إنهم يسقطون في وثنية "التقدم"نفسها التي تردى فيها العالم الغربي بعد أن صغروا الدين إلى مجرد صلصلة رخيمة في مكان ما من مؤخرة الأحداث. (..) أنا لا اعني أن المسلمين لا يستطيعون أن يفيدوا كثيرا من الغرب،وبخاصة في مجالي العلوم والفنون الصناعية،ذلك أن اكتساب الأفكار والأساليب العليمة ليس في الحق "تقليدا"وبالتأكيد ليس في حالة قوم أمرهم دينهم بطلب العلم حيثما يمكن أن يوجد.(..) ولو أن المسلمين احتفظوا برباطة جأشهم وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها إذن لما استطاعوا أن يحتفظوا بحريتهم الباطنية فحسب،بل ربما استطاعوا أيضا أن يعطوا إنسان الغرب سر طلاوة الحياة الضائع .. ){ص 376 – 378 }. وهذه مناجاة للنفس مغلفة بالخوف على المسلمين من عدم القدرة على مقاومة متاهة الحضارة الغربية :
(.. سألت نفسي : إلى متى يستطيع زيد وقوم زيد أن يحتفظوا بتماسكهم الروحي في وجه الخطر الذي يطبق عليهم بكثير من الخداع والمكر،وبصورة لا تعرف الرحمة أو اللين؟(..) إن آلافا من القوى – السياسية والاجتماعية والاقتصادية – تطرق أبواب العالم الإسلامي،فهل يخضع هذا العالم ويستسلم إلى حضارة الغرب ويفقد خلال التفاعل،لا أشكاله وأنظمته التقليدية فحسب بل جذوره الروحية أيضا؟){ص 140}.
ويعثر (أسد) في الإسلام على دين لا يُفرق بين (الروح ) و (الجسد) :
(... فإن نمو الإنسان الروحي،في نظر الإسلام مرتبط ارتباطا لا انفصام له بجميع نواحي طبيعته الأخرى. إن الدوافع الجسمانية جزء متمم لطبيعته فهي ليست نتيجة أي (خطيئة أولى ) – ذلك المفهوم الغريب عن تعاليم الإسلام – بل قوى إيجابية،وهبها الله للإنسان فيجب أن يتقبلها وأن يفيد منها بحكمة على أنها كذلك. ومن هنا فإن مشكلة الإنسان ليست في كيف يكبت مطاليب{هكذا } جسده،بل كيف يوفق بينها وبين مطاليب{هكذا} روحه بطريقة تجعل الحياة مترعة وصالحة.){ص 185 }.
إنه يرى الإسلام الدافع الحقيقي،الذي صنع حضارة المسلمين :
(.. إن الإسلام، في الحق، هو الذي حمل المسلمين الأولين إلى أعالي الذروات الثقافية بتوجيه طاقتهم كلها نحو التفكير الواعي كوسيلة وحيدة لفهم طبيعة خلق الله،وبالتالي لفهم إرادته. إن الإسلام لم يطلب إليهم قط أن يؤمنوا بعقائد يعسر أو يتعذر فهمها. (..) وهكذا فان التعطش إلى المعرفة الذي تميز به تاريخ المسلمين الأول لم يحمل،كما حمل في سائر أنحاء العالم،على أن يؤكد ذاته في صراع مؤلم ضد الإيمان.(..) وهكذا اكتسى البحث الطبي ثوب القداسة لكونه فرضا دينيا. لقد قرأ المسلمون الآية القرآنية الكريمة : (( وخلقنا من الماء كل شيء حي)). في محاولتهم للنفاذ إلى معنى هذه الكلمات بدأوا يدرسون الكائنات الحية وقوانين نموها،وهكذا انشأوا علم البيولوجيا. لقد أشار القرآن إلى انسجام النجوم وحركتها كشواهد على عظمة خالقها،ومن اجل ذلك اشتغل المسلمون بالعلوم الفلكية والرياضية بحمية واندفاع احتفظ بهما في الأديان السماوية الأخرى للصلاة وحدها. ونظام كوبيرنيكوس الذي اثبت دوران الأرض حول محورها ودوران الكواكب حول الشمس،انتشر في أوربا في مطلع القرن السادس عشر(وقابله القسس بالسخط لأنهم رأوا فيه تناقضا لتعاليم كتابهم المقدس الحرفية) : ولكن أسس هذا النظام كانت قد وضعت في الحقيقة قبل ذلك بستمئة سنة،في البلدان الإسلامية. {ص 234 – 235 }. ( لم يكن المسلمون هم الذين جعلوا الإسلام عظيما : بل لقد كان الاستلام هو الذي جعل المسلمين عظماء. إلا أنهم ما إن أصبح إيمانهم عادة وانقطع عن أن يكون منهجا في الحياة يتبع بوعي وإدراك،حتى خبت تلك القوة الدافعة الخلاقة التي كانت وراء مدنيتهم وأفسحت المجال إلى الاسترخاء والعقم والانحطاط الثقافي.) {ص6235 }.
ذلك الماضي العظيم دفع بـ(أسد) للهجوم على المسلمين الذين ضيعوا تلك الشعلة التي أضاءت ماضي المسلمين،فنجده يقول مخاطبا حاكم منطقة (هزاراجات)،في أفغانستان :
-(كيف حدث أنكم أيها المسلمون قد فقدتم ثقتكم بأنفسكم،تلك الثقة بالنفس التي مكنتكم في الماضي من نشر دينكم،في اقل من مئة عام،من جزيرة العرب حتى الأطلسي غربا والى أعماق الصين شرقا – وإنكم اليوم تسلمون أنفسكم بمثل هذه السهولة ومثل هذا الضعف إلى أفكار الغرب وعاداته؟ لماذا لا تستطيعون،وانتم الذين أنار أجدادكم العالم،بالعلم والفن في وقت كانت أوربا فيه غارقة في البربرية والجهل،أن تستجمعوا شجاعتكم للعودة إلى دينكم التقدمي المنير،كيف حدث أن أتاتورك،ذلك الذي ينكر على الإسلام قيمه،قد أصبح في نظركم انتم المسلمين رمز "الانبعاث الإسلامي؟"(..) قل لي – كيف حدث أن دين نبيكم،وكل ما فيه من البساطة والوضوح،قد دفن تحت أنقاض من تأملات متحذلقيكم ومماحكاتهم العقيمة؟كيف حدث أن أمراءكم وكبار إقطاعييكم يمرحون في الرخاء والنعيم،بينما يعيش الكثيرون من إخوانهم المسلمين في فقر وقذارة يفوقان الوصف – مع أن نبيكم قد لقنكم انه"لا يؤمن أحدكم إذا بات شبعان وجاره جائع"؟هل تستطيع أن تقول لي لم دفعتم النساء إلى مؤخرة حياتكم – مع أن النساء من حول النبي وصحابته اشتركن ذلك الاشتراك الرائع الأخاذ في حياة رجالهن؟ كيف حدث أن كثيرا جدا منكم،أيها المسلمون،جهلة وان قليلا جدا منكم يعرفون مجرد القراءة والكتابة..(..) همس :
-"ولكن .. أنت مسلم.." فضحكت وأجبت :
-" كلا.إنني لست بمسلم،ولكني رأيت في الإسلام قدرا كبيرا من الجمال بحيث أنني أستشيط غضبا أحيانا لرؤيتكم تضيعونه.(..) فهز مضيفي رأسه وقال : " كلا .. إن الأمر هو كما قلت. أنت مسلم،ولكنك لا تعرف ذلك .. لماذا لا تقول الآن : "لا إله إلا الله،محمد رسول الله"فتصبح مسلما معنا(..)قلها الآن،اذهب معك غدا إلى كابل وآخذك إلى الأمير(..) سوف يهبك البيوت والحدائق والمواشي (..) – "إني إذا قلتها يوما،فسأقولها لأني مطمئن إليها،لا من اجل بيوت الأمير وحدائقه". ){ص 313 – 315}.
لم يستطع جهل المسلمين بعظمة دينهم،أن يحول بين (أسد) وبين رؤية العظمة الكامنة في أصل الإسلام :
(ولكن ما همني أكثر من فشل مسلمي اليوم في تطبيق نظام الإسلام إنما كانت إمكانيات ذلك النظام نفسه – لقد كفاني أن اعلم انه لفترة قصيرة،في أوائل التاريخ الإسلامي،بذلت فعلا محاولة ناجحة لتطبيق ذلك النظام،وان ما بدا ممكنا في يوم ما يمكن أن يصبح ممكنا لا حقا في وقت آخر. (..) إذا كان ذلك المثل الأعلى نفسه ما زال متاحا لكل راغب في الاستماع إلى رسالته؟ وقد نكون، نحن المحدثين،هكذا فكرت في نفسي،بحاجة يائسة إلى تلك الرسالة بأكثر مما احتاج إليها الناس في أيام محمد. إنهم كانوا يعيشون في بيئة ابسط كثيرا من بيئتنا نحن،وكانت مشاكلهم ومصاعبهم أسهل حلا وأيسر إلى حد كبير.لقد كان العالم الذي كنت أعيش أنا فيه – كل ذلك العالم – يترنح بسبب من فقدان أي اتفاق على ما هو خير وما هو شر روحيا،وبالتالي اجتماعيا واقتصاديا.){ص 322 – 323 }.
كان (أسد) حريصا قبل أن ينطق بالشهادتين على أن يتأكد من أن القرآن الكريم كلام الله،وليس مجرد أفكار لرجل عبقري،وظل الإسلام يتسلل إلى روحه .. موقف هنا وآخر هناك ... من وقوف المصلين خلف الإمام،وقيامهم بنفس الحركات في خشوع إلى الأذان –قبل استعمال مكبرات الصوت – وما فيه من المعاني :
(لقد كان له الجرس نفسه في كل مكان،برغم الفروق في اللهجة والتجويد اللذين يمكن أن يتضحا للمرء في كلام الناس اليومي : وحدة صوتية جعلتني أدرك في تلك الأيام في القاهرة مقدار الوحدة الباطنية لدى جميع المسلمين من العمق،ومبلغ الخطوط الفاصلة بينهم من التكلف والتفاهة. (..) ولقد خيل إليّ أنني صادفت ،لأول مرة،مجتمعا لم تكن فيه صلة النسب بين الإنسان والإنسان مسببة عن طوارئ من مصالح اقتصادية أو عنصرية،بل عن شيء أعمق وأكثر استقرارا إلى حد بعيد : صلة من الفهم المشترك للحياة أزالت كل حواجز العزلة والانفراد بين الإنسان والإنسان.){ص 145}.
انتهت المساحة التي حددتها لكل حلقة،لذلك نكمل في الحلقة القادمة ... إذا أذن الله.
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي – المدنية المنورة
Mahmood-1380@hotmail.com